نذير حمدان

26

حكمة القرآن والحضارة

إنّ الفلسفة أشبه شيء بشجرة جذورها علم ما بعد الطبيعة ، وجذعها علم الطبيعة ، وأغصانها العلوم الأخرى كالطّبّ وعلم الميكانيكا وعلم الأخلاق . فهي معرفة شاملة للمعارف والسلوكيّات والصّناعات كما قال في موضع آخر : ليس المقصود بالحكمة الاتصاف بالحيطة أو الأخذ في الأمور بالأحزم فقط ، وإنما المقصود بها المعرفة الكاملة بجميع ما يمكن أن يعرف لتدبير الحياة ، وحفظ الصحة ، واختراع الصناعات ( مبادئ الفلسفة ، المقدمة : فقرة 2 ) . وسبقت فلاسفة إخوان الصفا بالشمولية العلمية للفلسفة ومحبة هذه العلوم بداية فقالوا : وأول الفلسفة عند إخوان الصّفا ، محبّة العلوم ، وأوسطها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطّاقة الإنسانية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم « 1 » . ولذا فإن الصفات التي تتميز بها الفلسفة هي الشمول ، والوحدة ، والتعمّق في التفسير والتعليل ، والبحث عن الأسباب القصوى والمبادئ الأولى . والفرق بين الفلسفة والعلم : قد تقدّم معنا اعتماد الفلسفة على العقل ، ونقد المبادئ والأصول العامة للعلوم . . . ومن أجلّ هذه الفروق أن العلم يتقدّم ويتسع نطاقه بازدياد الحقائق التي يحصل عليها ، على حين أن الفلسفة تظلّ محصورة في دائرة واحدة من الحقائق ، وإن كانت الصور التي تعبّر بها عن هذه الحقائق مختلفة ومتفاوتة . ولذلك قيل : إن الفلسفة نظرية القيم وتشتمل على ثلاثة أقسام : المنطق وموضوعه البحث في قيمة الحقيقة ، وعلم الجمال : وموضوعه البحث في قيمة الفن ، وعلم الأخلاق : وموضوعه البحث في قيمة العمل « 2 » . ويمكن الاعتراض على ما سبق بأنّ التقدّم العلمي والتوسع المعرفي يقتضي تقدما في فلسفتها وتوسعا في دلالاتها وتناولا معرفيا خاصا حسب المستجدّات العلمية المطروحة وإن كانت الأصول واحدة والقضايا الفلسفية متشابهة في الأساس ، ومختلفة ومتفاوتة في الطرح والتناول والعمق .

--> ( 1 ) البيهقي : تاريخ الحكماء 19 . ( 2 ) صليبا : المعجم الفلسفي .